اسماعيل بن محمد القونوي
51
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الدنيا والتنكير للتحقير وهو المطابق لقراءة التعريف فإن الظاهر أن التعريف للعهد والمعهود هو الحياة الدنيا فالأحسن والمعهود ( الحياة المتطاولة ) بقرينة ما بعده ولا يعرف أيضا وجه من جوز كون اللام للجنس ولذا اكتفى المص بذكر الحياة المتطاولة لأنهم إنما طلبوا بطريق الحرص الحياة المتطاولة لا الحياة الدنيا الشاملة للقصيرة والطويلة وأحرص الناس يقتضي ظاهره أن أصل الحرص يثبت لغيرهم مع أن حرص المسلمين على الحياة المديدة ثبوته غير معلوم اللهم إلا أن يقال الحرص على الحياة المتطاولة تكثيرا للخيرات وتحصيلا للقربات بأنواع المبرات ليس بمذموم يرشدك إليه كراهة الموت كما ورد في الحديث القدسي « 1 » هذا إذ أريد بأفعل التفضيل الزيادة على من أضيف إليه كما هو الظاهر وهو الأكثر استعمالا وأما إذ أريد به الزيادة المطلقة غير مقيدة بأن يكون على المضاف إليه فلا يدل ثبوت أصل الحرص لغيرهم وللمسلمين . قوله : ( محمول على المعنى ) على على اللفظ لأن أفعل التفضيل استعمل هنا بالإضافة لا بلفظة من فعطف الذين أشركوا بمن على الناس محمول على المعنى ومن هذا قال ( فكأنه قال أحرص من الناس على الحياة ) لأن معنى إضافة أفعل التفضيل كمعنى استعماله بمن وهذا البيان يرجح الاحتمال الأول فيفهم ثبوت الحرص للمسلمين لغرض صحيح كما مرّ بيانه ( ومن الذين أشركوا ) . قوله : ( وإفرادهم بالذكر للمبالغة فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة ) قوله : محمول على المعنى أي يعني لو كان العطف محمولا على اللفظ لقيل والذين أشركوا عطفا على الناس ليكون التقدير وأحرص الذين أشركوا لكن عدل عنه إلى قوله وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بتصريح لفظ من لأنه معطوف بحسب المعنى لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس قال صاحب الأقليد تقول زيد أفضل من القوم ثم تحذف من وتضيفه والمعنى على اثبات من وقال صاحب المرشد فإن قلت فلم جبء بمن في الثاني دون الأول قلت لأن أفعل إذا أضفته إلى جملة هو بعضها لم يحتج إلى ذكر من فهو إما إضافة الواحد إلى جنسه أو إضافة البعض إلى الكل فتقول زيد أفضل الناس وعبدك خير العبيد فلو قلت عبدك خير الأحرار وزيد أفضل إخوته لم يجز لأن إخوة زيد غير زيد وهو خارج عن جملتهم ولو قلت زيد أفضل الإخوة جاز لأنه أحد الإخوة فعلى هذا قوله تعالى وَلَتَجِدَنَّهُمْ [ البقرة : 96 ] يعني علماء اليهود أحرص الناس أضافهم إلى ما بعدهم لأنهم من جملة الناس ثم قال ومن الذين أشركوا والمراد بالمشركين المجوس في أصح الأقاويل للتحية التي كانت لهم إذا عطس العاطس قالوا عش ألف سنة وهم غير اليهود فهو مثل زيد أفضل من إخوته وإنما وصفوا بالاشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة ويزدان وأهرمن وقيل المراد بهم مطلق من اشرك باللّه . قوله : وإفرادهم بالذكر يعني على تقدير عطفه على الناس يكون المعطوف داخلا في المعطوف عليه فإفرادهم بالذكر مع دخولهم في الناس للمبالغة وزيادة التوبيخ معنى المبالغة مستفاد من ذكر المفضل عليهم مرتين مرة بالإجمال ومرة بالتفصيل وزيادة التوبيخ من عطف المشركين
--> ( 1 ) قوله لغص كل إنسان بريقه أي لا متلأ بريقه فمات من ساعته .